محمد متولي الشعراوي
1719
تفسير الشعراوى
ألم يكن لتفكيرهم أن يصل إلى أن هناك ربّا للمؤمنين يقول الخافي من الأمور لرسوله ، ويبلغها الرسول للمؤمنين . لكنهم مع ذلك لم يفهموا هذا الفضح لهم « وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ » وهنا ينبغي أن نفهم أنّ هناك أمرا قد يغيظ ، ولكن الإنسان قد يجبن أن ينفث غيظه ، فإذا غاظك أحد فقد تذهب إليه وتنفعل عليه ، أو قد تنفعل على نفسك وذلك هو ما يسمى ب « تحويل النزوع » . فالغاضب يمتلئ بطاقة غضبية ، ومن يغضب عليه قد يكون قويا وصاحب نفوذ ، فيخاف أن ينفعل عليه ، فينفث الغاضب طاقة غضبه على نفسه بأن يعض على أنامله ، وما دامت المسألة هكذا ، فقد قال الحق : قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 ) ( من الآية 119 سورة آل عمران ) ومعنى ذلك أن إغاظة المؤمنين لكم أيها الكافرون ستستمر إلى أن تموتوا من الغيظ ؛ لذلك فلا طائل من محاولتكم جذب المؤمنين إلى الكفر : « قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ » . ونحن قد عرفنا أنه ساعة يؤمر الإنسان بشئ ليس في اختياره - لأن الموت ليس في اختيارهم - وأن يختار بينه وبين شئ في اختياره كالغيظ ، فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر إليه ليظل أسير الأمر الذي يقدر عليه وهو الغيظ حتى يدركه الموت . وعندما يقول الحق : « مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ » فهذا يعنى أن الكافرين لن يستطيعوا الموت ، ولكن سيظلون في حالة الغيظ إلى أن يموتوا ؛ لأنهم لا يعرفون متى يموتون ، وهكذا يظلون على حالهم من الغيظ من المؤمنين ، وما دام الكافرون في حالة غيظ من المؤمنين فهذا دليل على أن المؤمنين يطبقون منهجهم بأسلوب صحيح . وفي هذه الآية بشارة طيبة للمؤمنين ونذارة مؤلمة للكافرين « قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » إن الحق يعلمنا أنه عليم بذات الصدور ، أي بالأمور التي